كشف كوينتن بيشار في تحقيق استقصائي أن براميل غاز الكلور التي سقطت قرب مصفاة الجيلي شمال الخرطوم في سبتمبر 2024 لم تصل إلى السودان لأغراض إنسانية حقيقية، بل انتهى بها المطاف جزءًا من هجوم كيميائي خلال الصراع الدائر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
أشارت فرنسا 24 إلى أن الوثائق الحصرية التي حصل عليها فريق التحقيق كشفت مسارًا تجاريًا واضحًا لشحنة الكلور، بداية من ميناء نافا شيفا قرب مومباي في الهند، وصولًا إلى ميناء بورتسودان، مرورًا بجدة السعودية، وذلك تحت غطاء “تنقية مياه الشرب”
مسار البراميل من الهند إلى ساحة المعرك
بدأ التتبع بفيديو نُشر في 5 سبتمبر 2024 على إنستغرام يظهر برميلاً معدنيًا أصفر اللون سقط داخل قاعدة قرّي العسكرية، على بُعد خمسة كيلومترات شرق مصفاة الجيلي. ظهر رقم تسلسلي على البرميل: GC-1983-1715. أدى التعرف على هذا الرقم إلى الوصول إلى بوليصة شحن تثبت أن البرميل أُرسل ضمن شحنة من 17 أسطوانة على متن سفينة باسم آر سي أوشن في 14 يوليو 2024.
وصلت السفينة إلى ميناء جدة في 21 يوليو، ثم نُقلت الشحنة إلى سفينة أخرى اسمها الأحمد واتجهت إلى بورتسودان حيث وصلت في 9 أغسطس. خرجت الأسطوانات من الميناء في 17 أغسطس، أي قبل نحو ثلاثة أسابيع من ظهورها في منطقة عسكرية قريبة من المصفاة
أكدت شركة كيميتريد الدولية الهندية، المصدّرة للشحنة، أنها تلقت ضمانًا من الجهة المستوردة في السودان بأن الكلور سيُستخدم فقط لمعالجة المياه الصالحة للشرب، وهو استخدام مدني شائع لهذه المادة
شركة ذات علاقات عسكرية تثير الشبها
حملت بوليصة الشحن اسم شركة سودانية تدعى شركة إنجينيرينج بورت، ومقرها في بورتسودان. عرّفت نفسها على موقعها الإلكتروني – الذي اختفى لاحقًا – بأنها متخصصة في مشروعات الأشغال العامة ومعالجة المياه المتقدمة. ومع ذلك، كشفت بيانات حصلت عليها منظمة C4ADS أن الشركة ترتبط بعلاقات تجارية مع مصنع أسلحة تركي، إضافة إلى شركة إماراتية تزود جهاز الاستخبارات السوداني بالزي والعتاد
أدار الشركة ضابط برتبة كولونيل في الجيش السوداني، ما زاد من المخاوف حول تحويل الشحنة من غرض مدني إلى غرض عسكري. لم يظهر أي دليل يشير إلى نقل هذه البراميل إلى محطات معالجة مياه. في المقابل، رُصد اثنان منها في منطقة اشتباكات محتدمة
نفت منظمة يونيسف أي علاقة لها بهذه الشحنة، وأكدت أن مشروع “طاولة” لإمدادات المياه في ولاية النيل الأبيض – الذي استُخدم اسمه ذريعة للاستيراد – لا يعتمد على غاز الكلور، بل على مسحوق الكلور فقط، ولا يستخدم مضخات لحقن الغاز في المياه. كما أكدت أن الرقم التسلسلي الظاهر لا يتطابق مع أي اسطوانة وفرتها المنظمة
123 برميلاً مفقودًا وخطر على المدنيين
أفادت البيانات التجارية أن شركة كيميتريد صدرت ما لا يقل عن 125 أسطوانة كلور إلى السودان منذ اندلاع الحرب، وكلها عبر شركة إنجينيرينج بورت. ظهر اثنان فقط في مقاطع الهجوم، بينما بقي مصير 123 أسطوانة مجهولًا حتى الآن، ما يفتح بابًا خطيرًا لاحتمال استخدامها في هجمات مستقبلية أو وقوعها في أيدي أطراف مسلحة.
تحدث خبراء كيمياء عن أن استخدام هذه الأسطوانات في تنقية المياه كان يمكن أن يساهم في توفير مياه صالحة للشرب لمليون نازح في الخرطوم لمدة ستة أشهر. لكن حرمان السكان من هذه الموارد الحيوية فاقم أزمة المياه، في بلد يعاني أصلًا من انهيار البنية التحتية.
يعاني نحو 17.3 مليون شخص في السودان من نقص مياه الشرب، وهو ما أدى إلى انتشار أمراض وأوبئة، أبرزها الكوليرا. شهدت ولاية النيل الأبيض في بداية 2025 إصابة أكثر من 2,700 شخص بالمرض، بينهم 500 طفل، وفق بيانات يونيسف.
يرسم هذا التحقيق صورة قاتمة لمسار مادة يُفترض أنها تنقذ الأرواح، لكنها تحولت إلى أداة قتل صامتة، في بلد يرزح تحت ثقل الحرب وتضليل التجارة وسقوط الرقابة الدولية. وبين أنقاض المصافي والقرى المنسية، ما زالت الحقيقة المؤلمة تصرخ: الماء الذي كان يمكن أن ينقذهم، صار غازًا يخنقهم.
https://www.france24.com/en/africa/20251129-sudan-chlorine-imports-investigation-water

